مركز الثقافة والمعارف القرآنية

112

علوم القرآن عند المفسرين

القراءات ، مع أن المسلمين قد أطبقوا على تواتر القرآن نفسه . والآن نبدأ بالاستدلال على ما اخترناه من عدم تواترها بأمور : الأول : ان استقراء حال الرواة يورث القطع بأن القراءات نقلت الينا باخبار الآحاد . وقد اتضح ذلك - فيما أسلفناه - في تراجمهم فكيف تصح دعوى القطع بتواترها ، عن القراء . على أن بعض هؤلاء الرواة لم تثبت وثاقته . الثاني : ان التأمل في الطرق التي أخذ عنها القراء ، يدلنا دلالة قطعية على أن هذه القراءات إنما نقلت إليهم بطريق الآحاد . الثالث : اتصال أسانيد القراءات بالقراء أنفسهم يقطع تواتر الأسانيد حتى لو كان رواتها في جميع الطبقات ممن يمتنع تواطؤهم على الكذب ، فان كل قارئ إنما ينقل قراءته بنفسه . الرابع : احتجاج كل قارئ من هؤلاء على صحة قراءته ، واحتجاج تابعيه على ذلك أيضا ، وإعراضه عن قراءة غيره دليل قطعي على أن القراءات تستند إلى اجتهاد القراء وآرائهم ، لأنها لو كانت متواترة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله لم يحتج في اثبات صحتها إلى الاستدلال والاحتجاج . الخامس : ان في انكار جملة من أعلام المحققين على جملة من القراءات دلالة واضحة على عدم تواترها ، إذ لو كانت متواترة لما صح هذا الانكار . فهذا ابن جرير الطبري أنكر قراءة ابن عامر ، وطعن في كثير من المواضع في بعض القراءات المذكورة في السبع ، وطعن بعضهم على قراءة حمزة ، وبعضهم على قراءة أبي عمرو ، وبعضهم على قراءة ابن كثير . وإن كثيرا من العلماء أنكروا تواتر ما لا يظهر وجهه في اللغة العربية وحكموا بوقوع الخطأ فيه من بعض القراء « 1 » ، وقد تقدم في ترجمة حمزة إنكار قراءته من إمام الحنابلة أحمد ، ومن يزيد بن هارون ، ومن ابن مهدي « 2 » ، ومن أبي بكر بن عياش ، ومن ابن دريد .

--> ( 1 ) التبيان ص 106 للمعتصم باللّه طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري . طبع في مطبعة المنار سنة 1334 . ( 2 ) هو عبد الرحمن بن مهدي ، قال في تهذيب التهذيب ج 6 ص 280 : قال أحمد بن سنان : سمعت علي بن المديني يقول : « كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس » ، قالها مرارا . وقال الخليلي : « هو إمام بلا مدافعة » . وقال الشافعي : « لا أعرف له نظيرا في الدنيا » .